لبنان..يوم الغضب الشعبي… ما بعده ليس كما قبله!

لم يكد اللبنانيون ينتهون من كارثة الحرائق التي أشعلت لبنان حتى جاء إقتراح فرض ضريبة على “الواتس اب كول” ليشعل الشارع غضبًا، من دون الدخول في جدلية الفرضيات التي تقول ان نزول الناس إلى شوارع كل المناطق كانت عفوية أو مدبرة وموجهة.

قبل السابع عشر من تشرين الأول، وهو تاريخ مفصلي، كان يُقال بأن الشعب، كل الشعب غنم، وهو لا يحسن سوى “النق” والتذمر، وهو قابع وراء أركيلته لا يحرّك ساكنًا.

أما بعد هذا التاريخ وما شهدته كل الساحات، بدءا من الوسط التجاري في بيروت، من تحركات شعبية ومن غضب عارم ومن توحيد المطالب، خارج الإصطفافات الطائفية، إذ فُرزت الساحات بين طائفة المتضررين من الفساد وأخرى تستفيد من هذا الفساد، لأننا لم نسمع من المتظاهرين أي كلمة تنمّ عن طائفية أو مذهبية. فإبن المشرفية كان يتحدث بنفس لغة إبن الأشرفية وجونيه والطريق الجديدة.

المطالب الحياتية ورفض الضرائب، أيًّا كان نوعها، وحدّت الساحات، على رغم بعض التعابير العالية السقف التي شملت جميع المسؤولين من دون إستثناء، وهي ناتجة عن حالة الغضب التي تُرجمت بقطع الطرقات بالإطارات المشتعلة، وكانت تعبيرًا صارخًا في وجه الطبقة السياسية الحاكمة، وقد حمّلها المتظاهرون مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع الإقتصادية التي لم تعد تُطاق.

فما بعد 17 تشرين لن يكون كما قبله، وهذا ما بدا واضحًا حين أضطرّ وزير الإتصالات على التراجع عن فكرة فرض رسم عشرين سنتًا عن كل يوم كضريبة على “الواتس أب كول”، وهذا الأمر سينسحب على كل قرار أو إجراء قد تتخذه الحكومة في المستقبل، لأن الشعب قال كلمته وهو لن يخرج من الشوارع إذا لم تصب القرارات الحكومية في مصلحته.

لا ضرائب بعد اليوم تُفرض على الشعب الكادح . فإذا كان ثمة عجز في الموازنة فلا يجوز التفتيش عن مصادر التمويل من جيوب ذوي الدخل المحدود، الذين يعانون الأمرّين حتى قبل فرض الضرائب.

ثمة إجماع على أن سدّ عجز الدولة يكون بوقف مزاريب الهدر ومكافحة الفساد، فعلًا وليس قولًا، لأن الشعب الجائع قرّر هذه المرّة أن يضع حدًّا لجشع البعض وتماديهم في إستغلال مواقعهم السلطوية لتمرير ما لا يتوافق مع مصلحة هذا الشعب، الذي قال بالأمس للجميع: كفى.

كفى إستهتارًا.

كفى تهرّبًا من المسؤولية.

كفى إستغباء للناس.

كفى إستغلالًا لموارد الدولة.

كفى تهرّبًا من الضرائب.

كفى متاجرة بلقمة عيش المواطنين.

كفى ممارسة لسياسية الإذلال.

الشعب الذي نزل بالأمس إلى الساحات لإسماع صوته والتعبير عن وجعه لن يسكت بعد اليوم، وهو مصمّم على مواصلة تحرّكه حتى يكون المسؤولون مسؤولين عن حق وحقيق.

لا عودة إلى الوراء. فما تحقّق بالأمس سيجعل الجميع يراجعون حساباتهم، وسيضطرّون إلى إتخاذ خطوات إنقاذية سريعة قبل أن يتهدّم الهيكل على رؤوس الجميع. فمسؤولية ما آلت إليه الأوضاع مسؤولية مشتركة، إذ لم يعد من الجائز بعد اليوم التصرّف وكأن البلاد بألف خير.

الشعب قال لجميع المسؤولين أن الوضع ليس بخير، وأن ثمة أزمة يجب التصدّي لها بمعالجات جذرية وليس بالمسكنات.
المصدر: خاص لبنان 24